بعد سنوات من الحرب والدمار، يواجه السوريون تحدياً كبيراً في تحديد نقطة البداية لإعادة بناء بلادهم. هل يكون الأمن هو الأساس الذي يحمي أي تقدم؟ أم العدالة التي تعيد الثقة بالدولة؟ أم الإصلاح السياسي الذي يرسم ملامح مستقبل ديمقراطي؟ أم النهضة الاقتصادية التي تخفف معاناة المواطنين؟
وتتعدد الرؤى وتتشابك المسارات، لكن النجاح يتطلب خطة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
بين العدالة والإصلاح والاقتصاد
وفي ظل واقع معقد يجمع بين جروح الماضي واحتياجات الحاضر، يرى البعض أن إعادة البناء تتطلب توازناً دقيقاً بين معالجة المظالم وبناء مؤسسات جديدة وتحسين الأوضاع المعيشية.
الدكتور طلال المصطفى، الباحث في مركز حرمون للدراسات، يقدم رؤية شاملة تجمع هذه العناصر: “إن إعادة بناء سوريا تتطلب مقاربة مترابطة تشمل العدالة الانتقالية، المصالحة، الإصلاح السياسي، والتنمية الاقتصادية، لكن الأولوية تعتمد على السياق الراهن”.
ويوضح المصطفى في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “العدالة الانتقالية والمصالحة ضروريتان لتحقيق الاستقرار الاجتماعي ومنع تجدد النزاعات التي تلت ثورة 2011، فهي تضمن المحاسبة على الجرائم وتبني ثقة السوريين، خاصة المتضررين من حكم الأسد، بالنظام الجديد. بدونها، قد تظل أي إصلاحات هشة”.
ويضيف أن الإصلاح السياسي هو “أساس أي تحول مستدام” عبر مؤسسات ديمقراطية تمثل الجميع، مشيراً إلى أن “عدمه قد يعيد إنتاج الأزمات الاقتصادية التي عشناها”. ولا يغفل الجانب الاقتصادي، معتبراً أن تحسين الأوضاع المعيشية “يخفف التوترات ويدعم الاستقرار”، لكنه يحذر من أن “التركيز على الاقتصاد دون إصلاح سياسي قد يعزز الاستبداد، والتركيز على العدالة دون حلول اقتصادية قد يؤجج استياء الفقراء”.
ويخلص المصطفى إلى أن البداية قد تكون “مزيجاً من إصلاح سياسي تدريجي، خطوات أولية في العدالة والمصالحة، وإجراءات اقتصادية سريعة”.
الاقتصاد والمصالحة مدخلان للاستقرار
ومع تفاقم الأزمة المعيشية وارتفاع نسب الفقر، يبرز الاقتصاد كعامل حاسم في تهيئة الأرضية لأي تقدم آخر، لكن هل يمكن تحقيق نهضة اقتصادية دون مصالحة وطنية؟
رضوان الأطرش، الباحث السياسي في الشأن السوري، يربط بين الاثنين، مؤكداً في حديث لمنصة سوريا ٢٤، على أن “ملفات إعادة البناء متشابكة ولا يمكن فصلها، سواء كانت المصالحة أو العدالة أو الإصلاح السياسي أو النهضة الاقتصادية والمجتمعية، فكلها تؤدي إلى بناء سوريا الجديدة”.
ويضع الأطرش رفع العقوبات عن الشعب السوري كأولوية أولى، قائلاً: “الشعب تحت خط الفقر، والمساعدات الإنسانية غير كافية، بينما تتطلب إعادة الإعمار مبالغ تفوق ميزانيات دول بأكملها”.
ويشدد على ضرورة رفع العقوبات كاملة وتفعيل تدفق الأموال العربية والدولية، معتبراً إعادة الإعمار “أولوية حالية”.
كما يربط ذلك بالمصالحة، موضحاً: “لا يمكن أن ننهض اقتصادياً بدون مصالحة وطنية وبدون عودة إلى السلم الأهلي”، مما يجعل الاقتصاد والمصالحة مدخلين متلازمين في رؤيته.
الإصلاح السياسي أساس كل تقدم
وفي ظل تاريخ طويل من الاستبداد، يرى المحللون ذاتهم أن إعادة البناء يجب أن تبدأ من تغيير جذري في بنية الحكم.
الكاتب والباحث السياسي مأمون سيد عيسى يلفت في حديث لمنصة سوريا ٢٤، إلى أن “الإصلاح السياسي الشامل يأتي على رأس الخطوات المطلوبة”، واصفاً إياه بـ”القاطرة التي تجر خلفها الإصلاحات القانونية والاقتصادية والإدارية”.
كما يوضح أن الإصلاح السياسي يعني “إشاعة الديمقراطية، سيادة دولة المؤسسات، وسيادة القانون”، وهو مدخل لا غنى عنه لدفع التغيير إلى الأمام، ويربط بينه وبين الاقتصاد، قائلاً: “سيادة القانون وتطبيق الحوكمة وقوانين واضحة للاستثمار تشكل ركناً أساسياً لجذب الاستثمارات، ومن يقيم منشأة اقتصادية يجب ألا يكون معرضاً للابتزاز كما في عهد النظام السوري، بل محمياً بقوانين تحفظ مشروعه، وهذا يؤدي إلى نهضة اقتصادية حقيقية”.
وعن المصالحة، يرى أنها “مرتبطة بتطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الجرائم”، مؤكداً أن “لا مصالحة دون عدالة، فحق ولي الدم مقدس، أقرته القوانين السماوية قبل البشرية، ولا يمكن مصادرته”.
سوريا أمام مفترق طرق
يبدو أن سوريا تقف اليوم أمام لحظة حاسمة تتطلب رؤية موحدة تجمع بين أولويات المتحدثين، بين من يحث على ضرورة الجمع بين تحسين حياة المواطنين يومياً وبناء نظام عادل يحترم الجميع، وبين من يدعو إلى الإسراع في تخفيف معاناة الناس عبر دعم خارجي ومصالحة داخلية تعيد اللحمة الوطنية، وبين من يصر على أن أي خطوة للأمام لن تكتمل دون حكم ديمقراطي يضمن العدالة ويفتح الباب للازدهار.
ووسط كل ذلك، قد تكون الإجابة في التزام جماعي يجعل من هذه الملفات: الأمن والعدالة والإصلاح والاقتصاد، دعامات متساوية لبناء وطن يحتضن كل السوريين.