المقاتلون الأجانب في سوريا: تحدٍّ جديد يواجه الحكومة السورية

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - SY24

في ظلّ الضغوط الأمريكية والغربية المستمرة على الإدارة السورية الجديدة، يبرز ملف المقاتلين الأجانب كأحد أبرز التحديات التي تواجهها دمشق في سعيها لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ومع تصاعد النقاش حول رفع العقوبات الدولية المفروضة على البلاد، تسعى السلطات السورية إلى إيجاد حلول عملية لهذا الملف الشائك، الذي يثير قلق الدول المجاورة والمجتمع الدولي.

ومع استمرار المفاوضات مع واشنطن وحلفائها، تبدو دمشق أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحقيق التوازن بين تلبية المطالب الغربية والحفاظ على سيادتها الوطنية. ومؤخرًا، نقلت وكالة “رويترز” عن ستة مصادر دبلوماسية أن نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون بلاد الشام وسوريا، ناتاشا فرانشيسكي، سلّمت قائمة بالمطالب الأمريكية إلى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال اجتماعٍ خاصٍّ عُقِدَ على هامش مؤتمر المانحين لسوريا في بروكسل.

وأكدت المصادر أن واشنطن اشترطت تنفيذ هذه المطالب للنظر في تخفيف العقوبات، مع تلميحات إلى احتمال تمديد الإعفاء الحالي من المعاملات مع المؤسسات الحاكمة السورية لمدة عامين.

من بين المطالب التي أثارت الجدل، شدّدت واشنطن على ضرورة منع المقاتلين الأجانب من تولّي مناصب قيادية في الإدارة السورية، إلى جانب تدمير أيّ مخازن أسلحة كيميائية متبقية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، كما طالبت بتعيين منسّق لدعم الجهود الأمريكية في البحث عن الصحفي المفقود أوستن تايس، الذي اختفى في سوريا منذ نحو عشر سنوات.

وفي سياق متصل، أدلى مسؤولون في البيت الأبيض بتصريحات تعكس موقف واشنطن الحذر، حيث قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس: “نحن نراقب تصرفات الحكام المؤقتين في سوريا عن كثب، وسنُقيّمُ خطواتِهم بدقةٍ”.

في المقابل، دعا المشرعان الأمريكيان، الديمقراطية إليزابيث وارن والجمهوري جو ويلسون، إلى تخفيف العقوبات، محذّرَين من أن استمرارها قد يعرقل جهود إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار في سوريا.

الرؤية الغربية والموقف الفرنسي

ولا تقتصر الضغوط على الولايات المتحدة، فقد أعربت دول غربية أخرى عن قلقها إزاء طريقة تعامل السلطات السورية مع ملف المقاتلين الأجانب، خاصة أولئك المرتبطين بالفصائل المتشددة.

وفي هذا الإطار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، كريستوف لوموان: “لا يوجد شيك على بياض للسلطات السورية الجديدة، يجب أن تُثبت التزامها بالاستقرار والتعاون الدولي”.

وأشار تقرير لـ”رويترز” إلى أن الدول الغربية تراقب عن كثب كيفية إدارة دمشق لهذا الملف، وسط مخاوف من أن يتحوّل بعض هؤلاء المقاتلين إلى تهديد أمني مستقبلي.

ليسوا تهديدًا كبيرًا إذا أُدير الملف بحكمة

وفي تعليقٍ له حول هذا الملف، قال الباحثُ في شؤونِ الجماعاتِ الجهاديةِ، عرابي عرابي، في حديثٍ لمنصةِ سوريا ٢٤: “في العصر الحديث، نجد أن المقاتلين الأجانب يشكّلون جزءًا من جيوشِ العديدِ من الدول، ففي فرنسا على سبيل المثال، يوجد أكثر من 50 ألف متطوّع أجنبي يحصلون على الجنسية بعد فترة خدمة، وفي الولايات المتحدة يصل عددهم إلى 150 ألفًا، يحصلون على رواتب وجنسية بعد 7 إلى 10 سنوات”.

وأضاف: “حتى في بعض الدول العربية، هناك جيوش تعتمد بشكل كبير على مقاتلين أجانب يُمنحون الجنسية بعد عقد من الخدمة”.

وأشار عرابي إلى أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا لا يتجاوز 2500 شخص مع عائلاتهم، واصفًا الرقم بـ”الصغير نسبيًا”، وقال: “هذا العدد لا يُمثّل تهديدًا كبيرًا إذا تم التعامل معه بحذر”.

ولفت إلى أن معظم هؤلاء المقاتلين اندمجوا في المجتمع السوري عبر الزواج وإنجاب الأطفال، ممّا يقلل من مخاطرهم على الأمن الداخلي: “لقد أصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي المحلي، وهذا يُعزّز استقرارهم إذا التزموا بالقوانين”.

لكن عرابي حذّر من فئة صغيرة قد تتبنى أفكارًا متطرفة مثل “الجهاد العابر للحدود”، وقال: “هؤلاء يشكّلون خطرًا داخليًا أكثر منه خارجيًا، ويجب التعامل معهم بصرامة عبر إقصائهم وإخراجهم من البلاد”.

وأكد أن الحل يكمن في توزيع المقاتلين الأجانب بشكلٍ متساوٍ عبر الوحدات العسكرية والمناطق الجغرافية في سوريا، لضمان عدم تكتّلهم في قطاعٍ أو منطقةٍ معينة، مثلَ اللاذقيةِ، ممّا قد يُثيرُ مخاوفَ خارجيةٍ.

تناقض غربي وقلق إسرائيلي

من جانبه، رأى المحلل والكاتب السياسي درويش خليفة أن “وجود المقاتلين الأجانب في صفوف القوات السورية الجديدة يشكّل عائقًا أمام رفع العقوبات، ممّا يعرقل جهود الحكومة في تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية”.

وأضاف في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “هذا الملف يثير قلق الدول المجاورة والغربية التي فتحت أبواب الدبلوماسية مع دمشق، على أمل بناء الثقة عبر الاستجابة لمطالب مثل منع المقاتلين الأجانب من الوصول إلى مناصب عليا، وضبط سلوكهم تجاه المكونات السورية المختلفة إيديولوجيًا”.

وأشار خليفة إلى ما وصفه بـ”التعامل المزدوج” من الدول الغربية، قائلًا: “يتركّز الاهتمام على الإسلاميين من المقاتلين الأجانب، بينما يتم التغاضي عن الأجانب في ميليشيا ‘قسد’ المدعومة غربيًا، ممّا يعكس نظرة غير متوازنة، تتأثر باعتبارات سياسية”.

وحذّر خليفة من قلق إسرائيلي متزايد، مضيفًا: “هناك مخاوف في تل أبيب من أن يتحوّل هؤلاء المقاتلون إلى امتداد لحركات جهادية تحريرية في المنطقة”.

واقترح خليفة حلولًا عملية، وقال: “أمام الحكومة السورية خياران: إما إدماج هؤلاء المقاتلين في الجيش دون منحهم مناصب قيادية، أو التفاوض مع دولهم لإعادتهم دون محاكمةٍ أو تصفيةٍ”.

ودعا القوى الغربية إلى “دعم الجيش السوري في بسط سيطرته على كامل الأراضي، ومنع عودة تنظيم داعش أو الميليشيات المدعومة من إيران”، معتبرًا ذلك خطوة ضرورية لتجاوز التحدي.

ووسط كلّ ذلك، يبقى ملف المقاتلين الأجانب نقطة تقاطع بين الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية التي تواجه الإدارة السورية الجديدة، وبينما يرى البعضُ أنه تهديدٌ محدودٌ يمكنُ إدارته بحكمة، يُحذّر آخرون من تبعاته على العلاقات الدولية واستقرار المنطقة.

مقالات ذات صلة