في مشهد لم يكن متوقعاً قبل سنوات، تجمع السوريون في مدينة حلب هذا العام للاحتفال بعيد الأضحى بطريقة استثنائية، حيث امتزجت الفرحة بالدموع واللقاءات التي طال انتظارها.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يحتفل السوريون بعيدهم دون قيود النظام السابق أو الحواجز التي فرضتها الحرب، مما أتاح لهم حرية التنقل بين المحافظات والمدن المختلفة.
عيد بلا خوف
مراسل منصة سوريا ٢٤ في حلب أكد أن هذا العيد له طعم خاص بالنسبة للسوريين، إذ يمثل بداية جديدة للكثير من العائلات التي عانت التشتت والانفصال بسبب ظروف الحرب الطويلة: “نرى الضحكات على وجوه الكبار قبل الصغار”، مضيفاً أن أجواء العيد كانت مليئة بالفرح والأمل بعد سنوات من الخوف والقلق.
عبد الواحد السيد، أحد سكان حلب، عاش هذه اللحظة الاستثنائية عندما التقى بأهله في العيد الأول بعد 14 عاماً من الغياب القسري.
عبد الواحد الذي كان مضطراً للبقاء بعيداً عن عائلته بسبب الظروف الأمنية، استغل فرصة العيد ليزور قبر والدته التي توفيت قبل ثماني سنوات ولم يستطع أن يودعها.
يقول عبد الواحد في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “كانت أمنيتي دائماً أن أقف أمام قبر أمي وأدعو لها، واليوم تحققت هذه الأمنية”.
زيارة حارم… لقاء الأحبة بعد سنوات
وفي مشهد آخر مؤثر، لم تقتصر اللقاءات على داخل حلب فقط، بل امتدت إلى المناطق المحيطة بها.
عبد الناصر السيد، وهو من سكان حلب، تمكن هذا العيد من زيارة أخته في مدينة حارم التي تبعد أكثر من 80 كيلومتراً.
يروي عبد الناصر في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “حرموني من رؤية أختي طوال فترة الثورة السورية، لكن اليوم جميع الطرق سالكة، وبفضل الله تمكنت من زيارتها”.
هذا النوع من اللقاءات لم يكن ممكناً في السنوات الماضية بسبب الحواجز الأمنية وإغلاق الطرقات، لكن مع تغير الظروف السياسية والعسكرية، أصبح بإمكان السوريين التنقل بحرية أكبر، مما أعاد الحياة إلى العلاقات العائلية التي كانت مقطوعة، حسب مراسلنا في حلب.
ذكريات الماضي وأوجاع الحاضر
بالرغم من الفرحة الكبيرة التي عمّت الأجواء، إلا أن زيارات العيد لم تخلُ من الألم والحزن. عبد الواحد، الذي عاد إلى منزل عائلته في حلب بعد غياب طويل، وجد نفسه وجهاً لوجه مع ذكريات الماضي: “مع كل خطوة داخل البيت، كنت أتذكر أخي وابني وابن أخي الذين فقدتهم خلال الحرب، وصورهم عادت إلى ذاكرتي وكأنهم هنا معنا”.
هذه المشاعر المختلطة من الفرح والألم تعكس الواقع الذي يعيشه السوريون اليوم، حيث يتداخل الشوق إلى الماضي مع الآمال في مستقبل أفضل.
عبد الواحد يأمل في العودة إلى مدينته والسكن فيها مجدداً، لكنه ينتظر حتى تتحسن الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والإنترنت، وهي الخدمات التي اعتاد عليها في السنوات الأخيرة قبل التحرير، لكنها لا تزال غير مستقرة في حلب، حسب تعبيره.
خدمات ما بعد التحرير
على الرغم من التحسن الملحوظ في حرية التنقل وعودة بعض الأهالي إلى مناطقهم، إلا أن الخدمات لا تزال تشكل تحدياً كبيراً.
ويقارن عبد الواحد بين المنطقة التي يقيم فيها حالياً وبين حلب، مشيراً إلى أن توافر الكهرباء والماء والإنترنت في مكان إقامته الحالي هو أمر اعتاد عليه في السنوات الخمس الأخيرة، بينما تقل هذه الخدمات بشكل ملحوظ في حلب.
آمال بمستقبل أفضل
واختتمت العديد من العائلات السورية أيام العيد بتمنيات جماعية بأن تتحسن أوضاع البلاد من جميع النواحي.
ويأمل الجميع في أن يكون هذا العيد بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والسلام، حيث يمكن للأسر أن تعيش معاً دون خوف أو قلق، وأن تعود الخدمات الأساسية لتكون جزءاً من حياتهم اليومية.
ووسط كل ذلك، يبدو أن هذا العيد لم يكن مجرد أيام عابرة بالنسبة للسوريين، بل كان حدثاً استثنائياً جمع العائلات التي تفرقت بسبب الحرب، وأعاد إليها جزءاً من ذكرياتها الجميلة رغم الألم الذي لا يزال يلازم قلوبهم.