يصادف اليوم، الجمعة 4 نيسان/أبريل 2025، الذكرى السنوية الثامنة لمجزرة خان شيخون، التي تُوصَف بأنها واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها الحرب السورية.
ثماني سنوات مرّت على تلك الفاجعة التي هزّت ضمير العالم، حينما اختنقت أنفاس المدنيين في مدينة خان شيخون بريف إدلب تحت وطأة غاز السارين السام، تاركةً خلفها عشرات الضحايا ومئات المصابين، في هجوم كيميائي نفذته قوات نظام الأسد السابق في 4 نيسان/أبريل 2017.
وفي هذا اليوم، يستذكر السوريون تلك اللحظات التي تحوّلت فيها خان شيخون إلى رمز للظلم والصمود. فثماني سنوات مضت، لكن الجرح لا يزال نازفًا، والمطالبة بالعدالة تتجدّد مع كل ذكرى.
صباح لم يكن عاديًّا
“لم يكن صباحًا عاديًّا على مدينة خان شيخون، صباحٌ اختنقت فيه الأنفاس، وتعالى ضجيج الموت، وتسابقت الأرواح على أبواب السماء”، هكذا وصف الدفاع المدني السوري تلك اللحظات المأساوية في بيان أصدره اليوم.
ووفقًا لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أودت المجزرة بحياة 91 مدنيًّا، بينهم 32 طفلًا و23 سيدة، قضَوا خنقًا بالغازات السامة، فيما أُصيب نحو 520 شخصًا، بينهم 12 من أعضاء الدفاع المدني و6 ناشطين، بأعراض التعرّض للغاز القاتل.
يُذكر أنه في الساعة 6:49 صباحًا، أطلقت طائرات النظام من طراز “سوخوي 22” أربعة صواريخ على المدينة، أحدها محمَّل بغاز السارين، ليسقط في الحي الشمالي قرب صوامع الحبوب ومخبز المدينة الآلي، مُوقِعًا الرعب في قلوب السكان الذين استيقظوا على مشهد الموت الأبيض.
السارين: السلاح المحرَّم
وبعد يومين من الهجوم، أكّدت وزارة الصحة التركية، في 6 نيسان/أبريل 2017، أن الغاز المستخدم كان السارين، وهو سلاح كيميائي محظور دوليًّا بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
جاء ذلك بعد تشريح جثث الضحايا الذين نُقلوا إلى تركيا، حيث ظهرت علامات الاختناق والتشنجات التي تُعد من الأعراض المميزة لهذا الغاز العصبي القاتل.
من جهتها، عززت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في تقرير لاحق، هذه النتائج، مشيرةً إلى أن التحاليل أثبتت “بشكل قطعي” استخدام السارين أو مادة مشابهة في الهجوم.
تقارير دولية ومسؤولية مؤكَّدة
لم تكن هذه الجريمة مجرد حدث عابر، فقد أثبتت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في تقريرها الصادر في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2017، مسؤولية نظام الأسد السابق عن الهجوم.
التقرير، الذي قُدّم إلى مجلس الأمن، أشار بوضوح إلى أن “سوريا مسؤولة عن إطلاق السارين على خان شيخون”، ورغم ذلك، ظل المجتمع الدولي عاجزًا عن اتخاذ خطوات جادة لمحاسبة النظام، حيث اصطدمت جهود التحقيق بحق النقض (الفيتو) الروسي، الذي استُخدم مرتين لإفشال عمل اللجنة الدولية.
في ردّ فعل محدود، أطلقت الولايات المتحدة، بعد ثلاثة أيام من المجزرة، 59 صاروخًا من طراز “توماهوك” على قاعدة الشعيرات الجوية في حمص، التي انطلقت منها الطائرة المحمّلة بالسلاح الكيميائي، لكن هذا الرد لم يُترجَم إلى مسار طويل الأمد لتحقيق العدالة.
ثاني أكبر هجوم كيميائي
تُعد مجزرة خان شيخون ثاني أكبر هجوم كيميائي في سوريا من حيث عدد الضحايا، بعد هجوم الغوطة في آب/أغسطس 2013، الذي قُتل فيه أكثر من 1400 شخص.
هذا الانتهاك الصارخ للقوانين الدولية والإنسانية أشعل غضبًا عالميًّا آنذاك، لكنه سرعان ما خفت صداه، تاركًا السوريين وحدهم يواجهون ذكرى الألم.
من جانبه، نفى النظام السابق مسؤوليته، مدّعيًا أن القصف استهدف “مخزنًا للمواد السامة” تابعًا للمعارضة، لكن هذه الرواية لم تجد قبولًا في التقارير الدولية المستقلة.
صوت الضحايا لم يمت
ويؤكد الدفاع المدني في بيانه: “قد يكون العالم نسي أو تناسى شهقات الأطفال وهي تختنق، لكن السوريين لم ولن ينسوا هذه الجريمة حتى يُحاسَب المجرم وتتحقّق العدالة. فالسوريون الذين رفعوا على مرّ السنوات صور ضحاياهم ولافتات تطالب بالعدالة، يرون أن سقوط نظام الأسد لا يكفي، فهذه الجرائم لا تموت بالتقادم”، مشدّدًا على أن تحقيق العدالة الانتقالية بمحاسبة مرتكبي الجرائم هو الضمان الوحيد للسِّلم الأهلي وحقوق الضحايا وذويهم.