في مشهد يعكس معاناة إنسانية متزايدة، يعيش سكان مدينة تل أبيض والمناطق المحيطة بها ضمن منطقة نبع السلام، أزمة صحية غير مسبوقة.
ويعاني القطاع الصحي من تردي الخدمات، وضعف التمويل، وغياب الكوادر الطبية المتخصصة، في حين أن المستشفى الوحيد في المدينة تحوّل إلى رمز للفشل والإهمال، مما يدفع الأهالي إلى السفر لمسافات طويلة بحثًا عن العلاج، وتحمل تكاليف باهظة قد لا تكون في متناول الجميع.
وبين قلة الإمكانيات، والروتين البيروقراطي، وانعدام الدعم الحقيقي، تسود حالة من القلق والاستياء بين السكان، الذين باتوا يتساءلون: هل سيظل الوضع الصحي في تل أبيض رهن الإهمال؟ وهل ستتحرك الجهات المسؤولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟
قصص إنسانية ترسم وجع المدينة
يقول جراح محمد، أحد أبناء تل أبيض، في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “وضع الطبابة بشكل عام سيئ للغاية بسبب قلة الإمكانيات والروتين الذي تمارسه الجهات التركية”. ويضيف: “لا يوجد أطباء ذوو خبرة كافية، ولا معاملة جيدة للأطباء الموجودين. حتى المشفى صغير جدًا ويفتقر إلى الدعم، والرواتب ضعيفة للغاية”.
ويتابع جراح: “أغلب الناس، بسبب عدم تحويلهم أو العناية بهم، يضطرون للسفر إلى مدينة الرقة لتلقي العلاج. التكلفة تصل إلى 150 ليرة تركية للذهاب و150 أخرى للعودة، وذلك عدا تكاليف العلاج هناك”. بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود، هذه الأرقام ليست مجرد أرقام، بل هي أعباء تثقل كاهلهم وتدفعهم إلى دوامة الفقر والمعاناة.
مشفى دون مناوبين أو كوادر
“مشفى تل أبيض”، الذي كان يُفترض أن يكون مركزًا حيويًا لتقديم الخدمات الطبية، يعاني من فراغ كامل في الكوادر البشرية.
يقول جراح: “هل من المعقول أن تعجز ولاية أورفة التركية عن إدارة مشفى في منطقة مثل تل أبيض؟ لا يوجد مناوبون، ولا إداريون، ولا ممرضون، ولا حتى أطباء. تسأل عن الطبيب فلا أحد يعرف أين هو، ولا تعرف أين تشتكي”، لافتًا إلى أن معظم الحالات التي كان يمكن علاجها بسهولة في بداية المرض أصبحت الآن معقدة بسبب الإهمال.
منظمات دولية تنسحب بسبب الفساد
مصادر طبية خاصة، فضلت عدم ذكر اسمها، أكدت في حديث لمنصة سوريا ٢٤، أن الوضع الصحي في منطقة نبع السلام سيئ للغاية، ليس فقط في تل أبيض، وإنما في المنطقة بأكملها.
وتشير المصادر إلى أن العديد من المنظمات الدولية والإغاثية حاولت العمل في المنطقة، لكنها انسحبت سريعًا بسبب: “التسلط وإساءة بعض الأشخاص المدعومين من الحكومة التركية”.
وتؤكد المصادر أن المجلس المحلي لا يقوم بأي دور فعّال في دعم القطاع الصحي أو معالجة المشكلات: “المجلس غائب تمامًا عن المشهد، ولا يتدخل حتى في المسائل الأساسية”، تقول المصادر. كما أن التمويل التركي يأتي بشكل “مزاجي”، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة وزيادة معاناة الكوادر الطبية والمرضى على حدٍّ سواء.
الفساد والاستغلال يزيدان الطين بل
منذ ست سنوات، تسيطر الحكومة التركية بشكل مباشر على المنظومة الصحية في المنطقة، ومع ذلك، يبدو أن هذا التحكم لم يُنتج سوى المزيد من الفساد وضعف الخدمات.
ويوضح مصدر طبي أن: “الكوادر الطبية الموجودة تعاني من تحديات عدة، بدءًا من نقص الموارد، وصولًا إلى الروتين البيروقراطي الذي يعرقل أي محاولة لإصلاح الوضع”.
محاولات إيصال الشكاوى إلى الحكومة التركية باءت بالفشل، إذ لا يبدو أن هناك آذانًا صاغية، حسبما عبّر عنه المصدر الطبي الخاص، الذي عبّر عن أمله في أن “تأتي الحكومة الجديدة لتستلم زمام الأمور وتخفف المعاناة”، مطالبًا بتوفير الدعم اللازم وضبط الفساد المستشري في القطاع الصحي.
نداء أخير
ومع استمرار تدهور الوضع الصحي في منطقة نبع السلام، تبقى الأسئلة معلقة: متى ستعيد الجهات المسؤولة النظر في سياساتها الخاطئة؟ وهل ستكون هناك خطوات فعلية لتحسين مستوى الرعاية الصحية وضمان توفير الخدمات الأساسية للسكان؟ أم أن معاناة الأهالي ستظل مجرد رقم في سجلات الإهمال؟
وفي ظل غياب الحلول، يبقى أهالي تل أبيض ومنطقة نبع السلام أسرى واقعٍ مريرٍ، يحلمون فيه بمستشفى يقدم لهم أبسط حقوقهم الإنسانية: العلاج والرعاية، وفق المصدر الطبي.