في خطوة إنسانية تعكس روح التكاتف والتضامن مع أبناء الوطن، أطلق مجموعة من أطباء ومخبري الأسنان من أبناء مدينة تدمر مبادرة تطوعية تحت اسم “المحبة والعطاء”، تهدف إلى دعم القطاع الصحي في المدينة التي عانت لسنوات طويلة من ويلات الحرب والدمار.
المبادرة، التي تتخذ طابعاً شبه دائم، تسعى إلى توفير الدعم المادي والمعنوي للمشفى الوطني في تدمر، الذي يواجه تحديات كبيرة بسبب نقص الأجهزة والمعدات الطبية وتواضع الإمكانيات المتاحة.
فكرة المبادرة وأهدافها
تقوم المبادرة على مبدأ التبرع الشهري لمدة عام كامل، حيث يتم جمع مبالغ مالية تُرسل مباشرة لدعم الخدمات الصحية في مشفى تدمر.
وأكد الدكتور محمد الزغير، أحد القائمين على المبادرة في حديث لمنصة سوريا ٢٤، أن الهدف الرئيس هو سد الفجوة الكبيرة في الاحتياجات الطبية في المدينة، مشيراً إلى وجود نقص حاد في الأجهزة والأدوات الطبية اللازمة لتقديم خدمات صحية كافية للسكان.
وفي حديثه عن تفاصيل المبادرة، أكد الدكتور الزغير أن هذه الجهود ليست مجرد فكرة عابرة بل هي مشروع مدروس يعتمد على الالتزام والتنظيم: “المبادرة شهرية لمدة عام كامل، ويجب على كل من يرغب بالانضمام الالتزام بهذا الإطار الزمني الكامل، كما نحرص على وجود جميع المشاركين ضمن مجموعة خاصة على تطبيق الواتس آب لضمان الشفافية والمتابعة المستمرة”.
وأشار إلى أن هذا النظام يتيح للجميع الاطلاع على كيفية إنفاق الأموال وتوجيهها، مما يعزز الثقة بين المشاركين والقائمين على المبادرة.
وأضاف الزغير قائلاً: “تقييم الوضع الطبي في مشفى تدمر يظهر بوضوح حجم الاحتياج الكبير، وهناك نقص حاد في الأجهزة والمعدات الطبية الأساسية، وهذا يؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمرضى، ولذلك، فإن تركيزنا الأساسي هو على دعم هذه الجوانب لتخفيف العبء عن الكادر الطبي والمرضى على حد سواء”.
دعوة للتشجيع والانخراط
بدوره، أكد خالد بهاء الدين، مدير تنسيقية تدمر في حديث لمنصة سوريا ٢٤، أن المبادرة ليست فقط دعماً صحياً، بل هي أيضاً رسالة تشجيع لكل السوريين للمساهمة في إعادة الحياة إلى المناطق التي عانت من الحرب، مشيراً إلى أن الحاجة في تدمر كبيرة، والإمكانيات قليلة، مما يجعل مثل هذه الجهود ضرورية للغاية.
وقال بهاء الدين: “ندعو جميع أبناء المدينة، وكل من لديه القدرة، أن يسعى لمثل هذه الأعمال التطوعية، فواجباتنا الدينية والأخلاقية والإنسانية تدعونا لدعم بلدنا وأهلنا، واليوم نحن نساعد من أماكن تواجدنا، وغداً إن شاء الله سنعود إلى تدمر لنرى الحياة قد عادت إليها”.
رسالة أمل ومسؤولية
المبادرة ليست مجرد مشروع تبرعات، بل هي دعوة واضحة للجميع، داخل سوريا وخارجها، لتحمل المسؤولية ودعم البنية التحتية الخدمية والطبية في البلاد.
وأكد القائمون على المبادرة أن حتى أصغر مساهمة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً، خاصة في مدينة صغيرة مثل تدمر، حيث يترك أي دعم أثراً واضحاً.
وفي هذا السياق، قال الدكتور الزغير: “أهل سوريا أهل خير، وهناك الكثير ممن يرغبون بالتبرع والمساهمة، لكنهم يحتاجون فقط للتشجيع. نحن هنا نحاول أن نكون نموذجاً يُحتذى به، وأن نشجع الآخرين على تقديم ما يستطيعون لدعم مؤسساتهم وبلدهم”.
وأضاف موضحاً: “على مستوى مدينة صغيرة مثل تدمر، فإن أي شخص من أهلها المتواجد خارج سورية لو تبرع بجزء بسيط، فإن ذلك يترك أثراً واضحاً، وحتى لو كان المبلغ المتبرع به صغيراً، فإن تراكم هذه الجهود يؤدي إلى تحقيق نتائج كبيرة”.
وتابع الزغير قائلاً: “فكرتنا التي نريد إيصالها هي أن جميع العاملين في مؤسسات الدولة، سواء كانت طبية أو خدمية أو غيرها، هم إخوة. وعلى جميع العاملين في هذه المؤسسات، وحتى من تركها وغادر البلاد، أن يبادر لتقديم ما يمكن تقديمه لدعم مؤسسته، ولا يجب أن ننتظر دائماً الحكومة أو المنظمات الدولية، بل علينا أن نتحرك كأفراد وجماعات لتحقيق التغيير الذي نرغب فيه”.
طموحات المستقبل
بالإضافة إلى دعم القطاع الصحي، تسعى المبادرة إلى تحقيق هدف بعيد المدى يتمثل في تشجيع كافة مكونات المجتمع السوري على إطلاق مبادرات مشابهة لدعم مختلف المؤسسات الخدمية في المدن السورية، فالغاية ليست فقط تقديم المساعدات، بل بناء ثقافة تضامن وتعاون وطني تعيد الحياة إلى المناطق التي تحتاج إلى ذلك.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور الزغير أن المبادرة ليست فقط مخصصة لأطباء الأسنان أو العاملين في المجال الطبي، بل هي مفتوحة أمام الجميع: “حالياً باب الانضمام متاح لأي شخص يرغب بذلك، سواء كان طبيباً، مهندساً، محامياً، أو حتى مواطناً عادياً، وكل شخص يستطيع أن يقدم شيئاً، سواء كان مالياً أو معنوياً، فنحن نرحب بكل الجهود”.
ووسط كل ذلك، تبقى مبادرة “المحبة والعطاء” نموذجاً حياً للعمل الإنساني الذي يعكس روح العطاء والتضامن بين أبناء الشعب السوري، فبينما تعمل المبادرة على تحسين الواقع الصحي في تدمر، فإنها تزرع أيضاً بذور الأمل والثقة بأن الغد سيكون أفضل إذا تكاتفت الجهود وتعاضدت الأيادي.