تصاعد اعتقال المتورطين بجرائم الحرب.. بوادر عدالة أم إجراءات أمنية؟

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - SY24

في خطوة نوعية تثير تساؤلات حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، شهدت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة حملة أمنية واسعة النطاق استهدفت شخصيات بارزة متورطة بجرائم حرب وانتهاكات جسيمة ضد الإنسانية خلال عهد النظام السابق.

عمليات أمنية دقيقة تستهدف “وجوه” القمع
وخلال الأيام والأسابيع الماضية، تم اعتقال المدعو محمد محمود الغزالي، الملقب بـ”محمد الصالحة”، أحد أبرز عناصر اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق، الذي أُلقي القبض عليه أثناء محاولته الفرار خارج البلاد عبر كمين محكم في بلدة قرفا بريف درعا.

وبالتزامن، تم اعتقال أحمد معلا، أحد أخطر عناصر فرع المخابرات الجوية السابقين، المتهم بارتكاب انتهاكات صارخة بحق المدنيين والسجناء السياسيين.

كما تم توقيف إيهاب بدوية، العميل المعروف الذي ساعد ميليشيات النظام السابق على اختراق مواقع الثوار في حي جوبر بدمشق، ما أسفر عن مقتل العشرات من المقاتلين.

وتم في مدينة حمص وبعملية أمنية اعتقال كامل محمد شريف العباس، المعروف بـ”ماريو”، الذي اشتهر بمشاركته في مجزرة حي التضامن الشهيرة عام 2013، حيث شارك في تنفيذ عمليات قتل جماعي وإرهاب للمدنيين.

وبحسب المصادر الأمنية، فإن “ماريو” متورط أيضاً في حالات اغتصاب أمام أُسر الضحايا، ما يجعله واحداً من أسوأ الوجوه التي تمثل انتهاكات النظام البائد.

ولا تتوقف القائمة عند هذا الحد، إذ تم اعتقال علي أحمد عبود، المساعد أول في الأمن العسكري السابق، بتهمة ارتكاب جرائم تعذيب وابتزاز وتهجير قسري للأهالي في مناطق مختلفة.

وكذلك تم إلقاء القبض على يوسف حربا، المسؤول السابق عن اللجان الشعبية في مدينة حمص، والذي كان بحوزته أسلحة غير مرخصة.

ومن بين أبرز الشخصيات التي تم اعتقالها مؤخراً، نائب قائد لواء فيلق القدس الإيراني في مدينة حلب، عدنان السيد، الذي لعب دوراً رئيسياً في دعم ميليشيات إيران وحزب الله، بالإضافة إلى عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، الذي كان يُعرف بقمعه الوحشي للاحتجاجات السلمية في بدايات الثورة السورية، إضافة إلى الكثير من الشخصيات الأخرى المتورطة بجرائم حرب.

مسار العدالة الانتقالية مسار متشعب

قال القاضي إبراهيم الحسين في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “لا شك أن حالات اعتقال المتهمين بارتكاب مجازر خلال سنوات الثورة تنسجم مع مطالب الضحايا وذويهم وتساهم في الحد من ردود الأفعال الانتقامية وتعيد ثقة الناس بمنظومة العدالة، لكن من الواضح أن تفعيل بنود الإعلان الدستوري المتعلقة بمسار العدالة الانتقالية لم يبدأ بعد لأنه لم يتم حتى الآن تشكيل هيئة متخصصة تشرف على هذا المسار”.

وأضاف: “مسار العدالة الانتقالية مسار متشعب لا يقتصر فقط على موضوع المحاسبة ومحاكمة المجرمين، بل يمتد ليشمل وضع آليات مناسبة لجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وتحقيق السلم الأهلي، وأعتقد أن وضع خارطة طريق لمعالجة هذه البنود يحتاج إلى وقت وموارد مالية”.

صوت المجتمع المدني

المصادر الحقوقية والمجتمع المدني تنظر إلى هذه الخطوات بإيجابية، لكنها تؤكد أنها مجرد بداية. المحامي “ميشال شماس” قال في منشور له إن “تطبيق العدالة الانتقالية هو واجب أخلاقي وسياسي وقانوني وإنساني، ويمثل حجر الزاوية في عملية إعادة بناء الدولة السورية”. وأضاف: “نحن بحاجة إلى جهود جبارة وتعاون كبير بين الحكومة والمجتمع المدني لتحقيق المصالحة الوطنية وجبر الضرر”.

مسار العدالة الانتقالية لم يبدأ بشكل فعلي

من جهته، قال مصدر أمني خاص من قوات الأمن العام في حديث لمنصة سوريا ٢٤: “رغم الجهود المبذولة لضبط بعض الأفراد المتورطين في ارتكاب جرائم خلال السنوات الماضية، فإن مسار العدالة الانتقالية لم يبدأ بشكل فعلي حتى الآن”.

وأوضح: “هناك فرق أساسي بين الإجراءات الأمنية التي تقوم بها الجهات المعنية وبين تحقيق العدالة عبر آليات قانونية شاملة”.

وتابع: “صحيح أن بعض الشبيحة أُلقي القبض عليهم أو وُجهت تهم إليهم، لكن هذا لا يعني أن العدالة الانتقالية قد انطلقت، فالمحاكمات الرسمية والإطار القانوني الذي يهدف إلى معالجة الجرائم الكبرى ما زال في بداياته، ولم يتم تفعيله بالشكل المطلوب”.

وعلى صعيد آخر، أشار المصدر الأمني إلى أن العديد من الشبيحة الذين كانوا ينشطون خلال فترة الأحداث في سوريا، باتوا يحاولون التواري عن الأنظار أو الاختباء في مناطق تعتبر معاقل تقليدية لهم ولعائلاتهم، وهذه المناطق، خاصة الساحل السوري وبعض القرى ذات الغالبية العلوية، توفر لهم غطاءً اجتماعيًا وأمانًا نسبيًا، حسب تعبيره.

كما يلفت المصدر إلى أن بعض التقارير الأمنية تحدثت عن أفعال غير قانونية ارتكبها الشبيحة، مثل الاستيلاء على الأموال العامة أو الخاصة بطريقة غير مشروعة، ومع ذلك، فإن هذه التقارير لم تتحول بعد إلى إجراءات قضائية فعلية ضمن إطار العدالة الانتقالية.

ورغم وجود خطوات أمنية لضبط الشبيحة، إلا أن تحقيق العدالة الشاملة عبر محاكمات رسمية وإصلاحات قانونية ما زال بعيد المنال، وما زال هناك الكثير من العمل المطلوب لتحقيق المساءلة الحقيقية، وفق وجهة نظره.

خطوات مستقبلية

وزير الداخلية السوري أنس خطاب، وعد خلال مراسم تشكيل الحكومة الجديدة في 29 آذار/مارس 2025، بإصلاح المؤسسات الأمنية وبناء نظام جديد يعتمد على الشفافية والتكنولوجيا الحديثة، وأكد أن “الأمن مسؤولية الجميع، ونحن نقوى بالشعب ويقوى بنا”.

وتشير الحملة الأمنية الأخيرة إلى تحول جاد نحو محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى في سوريا، لكن الطريق طويل لتحقيق العدالة الانتقالية بجميع أبعادها، ومع ذلك، فإن هذه الخطوات قد تكون الشرارة الأولى نحو تحقيق السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين أطياف المجتمع السوري.

مقالات ذات صلة