أثار الإعلان عن إنتاج مسلسل سوري جديد بعنوان “قيصر”، والذي يتناول أحداثًا مستوحاة من وقائع حقيقية داخل سجن صيدنايا الشهير سيء الصيت، جدلاً واسعًا بين السوريين، خاصةً بعد اختيار الممثل المؤيد للنظام السابق غسان مسعود لأداء دور رئيسي في العمل.
وقيصر هو الاسم المستعار الذي أُطلق على فريد المذهان، المساعد أول في الشرطة العسكرية السورية، الذي انشق عن النظام السوري عام 2013 وسرّب آلاف الصور التي توثق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام داخل السجون والمعتقلات السرية. وقد أصبح قيصر أحد أبرز الشهود على الفظائع التي ارتكبت بحق المعتقلين في سوريا، حيث ساهمت تسريباته في كشف التعذيب الوحشي والتجويع والانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها آلاف المعتقلين على يد الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.
وقوبل المسلسل الذي يُروَّج له على أنه يكشف جوانب غير معروفة من معاناة المعتقلين تحت التعذيب، برفض واستهجان شديدين من قبل فنانين وناشطين سوريين، الذين اعتبروه استسهالاً وتسطيحاً لواحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ سوريا الحديث.
إهانة لكل من ضحى من أجل الحرية
الناشطة مروة الغميان قالت في حديثها لمنصة سوريا ٢٤: “نحن كسوريين أحرار ومعارضين لنظام الأسد، نرفض بشدة اختيار غسان مسعود، المعروف بمواقفه المؤيدة للنظام والمعادية للثورة، لتجسيد شخصية قيصر، الرمز الذي فضح جرائم الأسد للعالم”.
وأضافت: “هذا الاختيار استخفاف بدماء الشهداء ومعاناة المعتقلين وأهاليهم، وإهانة لكل من ضحى من أجل الحرية، كيف يمكن لمن وقف مع القاتل أن يؤدي دور من كشف حقيقته؟ وكيف يُمنح موقعًا لا يليق إلا بأصحاب الحق؟ إننا نرفض هذا التلاعب بتاريخ الثورة السورية ورموزها، ونرى في هذا العمل استثمارًا تجاريًا في الألم يخدم شبيحة الأسد، في استغلال مرفوض لمعاناة الضحايا من أجل تحقيق مكاسب مالية وتسويق روايات مشوهة”.
وتابعت: “نطالب القائمين على هذا المشروع بمراجعة قرارهم، ونؤكد أن الثورة السورية أشرف من أن يمثلها من حاربها، وأن قيصر رمز للحق، ولن نسمح بتشويهه أو تزييف نضاله”.
والمسلسل من تأليف مجموعة من الكتّاب، بينهم نجيب نصير وعدنان العودة وزهير الملا ومؤيد النابلسي ولؤي النوري، وإخراج صفوان نعمو، وبإشراف المنتج الفني يامن ست البنين.
ويتكون العمل من ثلاثين حلقة موزعة على عشر ثلاثيات، ويستعرض قصصًا إنسانية مستوحاة من الواقع المرير الذي عاشه المعتقلون داخل سجن صيدنايا خلال سنوات الثورة السورية.
وتحمل الثلاثية الأولى اسم “درب الألم” للكاتب زهير الملا، ومن المقرر أن يشارك في بطولتها كل من غسان مسعود ودانا مارديني ورامي أحمر.
ويهدف العمل إلى تسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد السابق داخل السجون، بما في ذلك التعذيب والقتل الجماعي، والتي كشف عنها “قيصر”، الضابط المنشق الذي سرب آلاف الصور للمعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب.
ومع ذلك، فإن اختيار العنوان والطاقم التمثيلي أثار تساؤلات حول النوايا الحقيقية وراء المشروع.
وعَمل قيصر كمصور في الشرطة العسكرية التابعة للنظام السوري، وكان مسؤولًا عن توثيق جثث المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام، حيث تم تكليفه بتصوير الجثث التي كانت تنقل إلى المستشفيات العسكرية أو إلى المراكز الأمنية، بغرض إعداد تقارير مزورة عن أسباب الوفاة. وعلى مدى سنتين، قام قيصر بتسريب أكثر من 55,000 صورة توثق 11,000 معتقل قتلوا تحت التعذيب بين عامي 2011 و2013، ثم استطاع الفرار من سوريا بمساعدة جهات دولية.
عمل سيزيد من الجرح النفسي لدى السوريين
المختص النفسي والمعتقل السابق في سجون الأسد، باسل نمرة قال في حديثه لمنصة سوريا ٢٤: “إن مشاركة الممثلين المؤيدين لنظام الأسد السابق في مسلسل يحمل عنوان (قيصر) هو إهانة للشعب السوري بشكل كامل وإهانة لدماء الشهداء الذين استشهدوا في سجن صيدنايا وإهانة للمغيبين قسريا، وهذه الإهانة تزيد الجرح النفسي عند كل إنسان سوري حر، خاصة عندما يرى ممثلا كان قبل أقل شهر من سقوط الأسد ينجد به ويمدح بالقائد المفدى بشار الأسد بالنسبة له ويعتبر كل من شارك بالثورة هو مجرم يجب إبادته، والآن يمثل دور شخص من العظماء استطاع أن يُعرف العالم كله عن الضحايا في سجون الأسد”.
وأضاف: “إذا سمحت الحكومة السورية بعرض هذا المسلسل فإنه سيزيد من المشاكل النفسية الموجودة بالأساس في المجتمع السوري”.
من جانبه، الممثل السوري أسامة حلال كان من الذين عبّروا عن استيائهم من المشروع، وقال في منشور طويل على مواقع التواصل الاجتماعي: “ليست المشكلة عندي أن يمثل غسان مسعود صاحب مقولة (أنا خايف كتير يا زاهي) بمسلسل يتكلم عن المعتقلين، ولا المشكلة أن بعض الفنانين والمنتجين رح يحبوا هي الفكرة أو يتعاملوا معها بسطحية”، مشيرا إلى أن هذا الملف لم يغلق بعد، وأن الناس ما زالت تعاني وجعاً عميقاً من تلك الجرائم.
وتساءل حلال بغضب: “كم عاني القيصر حتى وصل إلى ما وصل إليه؟”، مضيفا: “مشكلتي ليست فقط في الاستسهال، بل في الوقاحة لي تخليك تسمي مسلسل بعنوان قيصر؟ لا تتعاملوا مع هكذا قضايا باستسهال، الناس بعدها مكلومة ومفجوعة، فلا تركبوا الترند على جراح الناس”.
من جانبها، أعربت الممثلة السورية إيمان الجابر عن غضبها الشديد من اختيار غسان مسعود لهذا الدور.
وقالت في منشور لها: “كيف يمكن لفنان طائفي داعم لآلة القتل التي نجا منها قيصر أن يجسد شخصية مرتبطة بهذه المأساة؟”.
ووصفت اختيار مسعود بأنه “وقاحة وفجور”، مشددة على أن مثل هذه الشخصيات يجب أن تكون على الأقل حيادية في موقفها السياسي لتجسيد مثل هذه الأدوار.
الكثير من الاستسهال والتساؤلات
وأثار الإعلان عن المسلسل أثار العديد من التساؤلات حول النوايا الحقيقية وراءه: هل سمع صناع المسلسل باسم “قيصر” قبل إظهار هويته الحقيقية؟ وما كانت مهمته حينها؟ وهل كانوا على علم بما يحدث في سجن صيدنايا خلال السنوات الماضية؟ هل هم قادرون على تصوير ما حدث في السجن بشكل حقيقي وصادق؟ وهل المشاهدون سيتقبلون هذه الرواية، خاصةً إذا جاءت من فريق عمل لم يكن موقفه حياديًا خلال سنوات الثورة؟ ولماذا تم الإعلان عن المشروع بهذه السرعة؟ وهل الهدف هو تحقيق مكاسب تجارية على حساب قضية حساسة؟
واعتبر العديد من الناشطين والمثقفين السوريين أن العمل يحمل الكثير من الوقاحة والاستسهال.
وقال البعض إن هناك أمورًا يفضل أن تبقى في ذاكرة الكتب وألسنة رواتها، لأن أي محاولة لإعادة سردها قد تؤدي إلى التشويه أو التمييع.
كما أكدوا أن الوقت لم يحن بعد للحديث عن هذه القضية، وأن هناك حاجة إلى المزيد من التروي والنسيان قبل الخوض في موضوع بهذا الحجم.
من جهته، الناشط ميلاد الشهابي كان من بين المنتقدين بشدة للمشروع، حيث قال في منشور له: “دون أدنى احترام لأهالي الضحايا والمغيبين في سجون الأسد، وفي ظل غياب الرقابة على الأعمال الفنية، تعمل شركات إنتاج وممثلون موالون سابقاً على إنتاج مسلسل يحمل اسم *قيصر*”.
وأشار إلى أن بعض المشاهد سيتم تصويرها داخل سجن صيدنايا نفسه، مما سيثير المزيد من الغضب والاستياء.
ورغم الجهود المبذولة لتسويق المسلسل على أنه عمل جريء يكشف جرائم النظام، إلا أن ردود الفعل الأولية تشير إلى أنه قد يواجه رفضًا واسعًا من الجمهور السوري، فالقضية التي يتناولها ليست مجرد قصة درامية، بل هي جرح نازف لا يزال يؤلم الملايين من السوريين الذين فقدوا أحباءهم في تلك السجون.